النويري
36
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال له : يا بنىّ ؛ إني رأيت اسمه مكتوبا على سرادق العرش وأبواب الجنان وأطباق السماوات وأوراق شجرة طوبى ؛ فهذه وصيّتى إليك . ثم نزع خاتمه من إصبعه ودفعه إليه ، وتسلَّم منه التابوت ، ثم قال له : إن اللَّه سيعطيك ثوب المجاهدة ، فحارب أخاك قابيل ، فإن اللَّه تعالى ينصرك عليه . وكان شيث حين الوصية إليه ابن أربعمائة سنة ، فأطاعه أولاد أبيه ، وصار إليه الفرس الميمون ، وكان أغرّ محجّلا إذا صهل أجابته الدوابّ كلَّها بالتسبيح . ذكر قتال شيث قابيل قال : ثم أمر اللَّه تعالى شيث بن آدم بقتال قابيل ، وكان قابيل قد اعتزل في ناحية من الأرض ، فعمرها ، وخدع أختا له فأحبلها ، ورزق منها أولادا كثيرة فسار إليه شيث بجميع أولاده ، وتقلَّد سيف أبيه ، وكان بين يديه عمود من الياقوت تحمله الملائكة يضئ بالليل والنهار ؛ وسار وقد أحدقت به الملائكة ، فتوجّه إبليس إلى قابيل وأعمله خبر أخيه ، فتأهّب للقائه وقد داخله الفزع ؛ ثم جاء شيث فقابله ، فاقتتلا ، فانكبّ قابيل على وجهه ، فأخذه شيث أسيرا ، وأسر جماعة من أولاده . ثم أقبلت الملائكة إلى قابيل فسلكوه في سلسلة من سلاسل جهنّم ، وغلَّوا يده إلى عنقه ، وساقوه بين يدي شيث مهانا وهو يقول : يا شيث احفظ الرّحم بيني وبينك . فقال : لا رحم بيننا بعد أن قتلت أخاك ظلما . ثم أمر شيث الملائكة فساقوه مغلولا إلى عين الشمس بالمغرب ، فلم يزل مواجها للشمس حتى مات كافرا ، وصارت ذريّته عبيدا وإماء لشيث وأولاده . ثم أخذ شيث بعد ذلك في عمارة المدن حتى بنى نيّفا على ألف مدينة في كلّ مدينة منارة ينادى عليها : ( لا إله إلا اللَّه ، آدم صفوة اللَّه ، محمد رسول اللَّه ) .